يبني معظم الباحثين عن عمل استراتيجيتهم على قناة واحدة: انتظار الإعلانات ثم التقديم عليها. وهذا منطقي لكنه ناقص، لأنه يفترض أن كل الوظائف تُعلَن، وأن الإعلان هو نقطة البداية في عملية التوظيف. وكلا الافتراضين غير دقيق.
فجزء معتبر من الوظائف يُشغل قبل أن يصل إعلانها إلى العلن، أو دون أن يُعلن أصلًا. فحين تحتاج جهة موظفًا، فإن أول ما تفعله غالبًا هو النظر داخليًا، ثم سؤال موظفيها عمن يرشحون، ثم البحث في قاعدة المتقدمين السابقين، ثم النظر في من تعرفهم الإدارة. والإعلان العام يأتي بعد ذلك، وأحيانًا يكون إجراءً شكليًا بعد أن استقر الاختيار.
ومعنى ذلك أن من يعتمد على الإعلانات وحدها يدخل السباق متأخرًا في كثير من الحالات، ويتنافس مع أكبر عدد من المتقدمين على أقل عدد من الفرص. بينما من يبني وصولًا إلى المرحلة السابقة للإعلان يواجه منافسة أقل بكثير.
وهذا المقال يشرح كيف تعمل هذه المرحلة، وكيف تصل إليها بطرق مهنية، دون أن يكون ذلك تجاوزًا للمعايير أو استغلالًا للعلاقات على حساب الكفاءة.
لماذا لا تصل بعض الوظائف إلى الإعلان؟
فهم أسباب ذلك يوضح أين تتدخل.
الترقية أو النقل الداخلي: فكثير من الجهات تفضّل شغل الوظيفة من موظفيها لأنهم معروفون ومخاطرتهم أقل.
الترشيح من الموظفين: فسؤال الفريق عمن يرشحون أسرع وأرخص من إعلان يستقبل مئات الطلبات، والمرشَّح يأتي بتزكية ضمنية من موظف يعرف بيئة العمل.
قاعدة المتقدمين السابقين: فالجهات تحتفظ بملفات من تقدّموا سابقًا وقد تعود إليهم عند فتح دور مشابه.
التواصل المباشر من مسؤولي التوظيف مع من يجدونهم مناسبين في المنصات المهنية.
الحاجة الناشئة: فبعض الأدوار تنشأ من حاجة تظهر تدريجيًا، ويكون هناك وقت قبل أن تتحول إلى إعلان رسمي.
تفادي حجم الطلبات: فبعض الجهات تتجنب الإعلان في أدوار تعرف أنها ستستقبل آلاف الطلبات يصعب فرزها.
والاستنتاج العملي: أن تكون معروفًا في مجالك، أو أن يعرفك من هو داخل الجهة، يضعك في مراحل تسبق الإعلان.
ما الفرق بين الترشيح المهني والواسطة؟
هذا تمييز ضروري قبل المضي، لأن الخلط بينهما يجعل البعض يرفض المبدأ كله.
فالترشيح المهني أن يشير شخص يعرف كفاءتك إلى اسمك حين تُفتح فرصة تناسبك. وأنت بعده تمر بنفس مراحل التقييم كأي متقدم: تُقرأ سيرتك، وتُقابَل، وتُختبر إن لزم. والفارق الوحيد أن ملفك يُقرأ فعلًا بدل أن يضيع بين مئات الطلبات.
والواسطة أن يُتجاوز التقييم أو تُخفَّف المعايير بسبب علاقة، فيُختار من لا يستحق على من يستحق.
والفرق بينهما جوهري: الأول يحل مشكلة الوصول، والثاني يفسد مشكلة الاختيار. والأول متاح لمن يبنيه بجهد، والثاني يُورَث ولا يُبنى.
ولهذا فإن ما يشرحه هذا المقال هو بناء الوصول لا تجاوز المعايير. فمن يصل إلى المرحلة السابقة للإعلان يبقى مطالبًا بإثبات كفاءته كاملة، وما اختصره هو المسافة إلى باب التقييم لا التقييم نفسه.
كيف تبني شبكة تصلك بالفرص؟
الشبكة المهنية هي القناة الأساسية إلى هذه المرحلة، وبناؤها يحتاج منهجية لا عشوائية.
حدد من تحتاج أن تعرفهم: من يعملون في مجالك، ومن هم في الجهات التي تستهدفها، ومن في المستوى الذي تطمح إليه. فالشبكة الواسعة بلا اتجاه أقل فائدة من شبكة أصغر ومركّزة.
ابدأ بمن تعرفهم فعلًا: زملاء الدراسة، وزملاء العمل السابقون، ومن التقيتهم في تدريب أو فعالية. فهؤلاء أقرب نقطة انطلاق وأكثرهم استعدادًا للمساعدة.
وسّع عبر من تعرفهم، فالطلب من معرفة أن تعرّفك بشخص أنجح بكثير من التواصل البارد.
احضر الفعاليات المهنية في مجالك إن توفرت، فاللقاء المباشر يبني علاقة لا تبنيها الرسائل.
انشط في المجتمعات المتخصصة حيث يوجد أهل مجالك، وشارك بما يضيف لا بالمتابعة الصامتة.
حافظ على العلاقة قبل أن تحتاجها، فمن يتواصل فقط حين يبحث عن عمل يجد استجابة أقل ممن حافظ على تواصل مستمر.
قدّم قبل أن تطلب: مساعدة، أو معلومة، أو ترشيح، أو مجرد تفاعل مفيد. فالعلاقة المهنية تبادلية بطبعها.
كيف تتواصل مع من لا تعرفهم؟
التواصل البارد ممكن وينجح إن أُحسن، ويفشل تمامًا إن كان جماعيًا أو مبتذلًا.
والقواعد:
خصّص كل رسالة لشخص بعينه. فالرسالة الجماعية تُكتشف فورًا وتُتجاهل.
اذكر سببًا واضحًا للتواصل: شيء قرأته له، أو تقاطع في المجال، أو سؤال محدد. فالرسالة بلا سبب تبدو طلبًا فارغًا.
اطلب معلومة لا وظيفة في التواصل الأول. فطلب الوظيفة من شخص لا يعرفك يضعه في موقف حرج، بينما السؤال عن مجاله أو تجربته يفتح حوارًا.
اجعل الرسالة قصيرة جدًا: ثلاثة إلى أربعة أسطر. فالرسالة الطويلة من مجهول تُؤجَّل ثم تُنسى.
اطلب شيئًا محددًا وصغيرًا: سؤالًا واحدًا، أو محادثة قصيرة. فالطلب الكبير من علاقة غير قائمة يُرفض.
لا تلحّ إن لم يصل رد، فمتابعة واحدة بعد مدة كافية ثم توقف.
اشكر من يستجيب وأخبره بالنتيجة لاحقًا، فهذا يبني علاقة تستمر بدل تفاعل ينتهي.
ومحادثة الاستكشاف المهني — وهي طلب محادثة قصيرة لفهم مجال أو دور أو جهة — من أنجح أساليب التواصل. فهي لا تطلب شيئًا يصعب إعطاؤه، وكثيرون يستجيبون لها، وهي تفتح بابًا يقود أحيانًا إلى ترشيح دون أن تطلبه.
كيف تصل إلى الجهات التي تستهدفها؟
هذا أسلوب مختلف عن انتظار الإعلانات، ويناسب من يعرف أين يريد العمل.
ابنِ قائمة بالجهات المستهدفة: عشر إلى عشرين جهة تعمل في مجالك وتناسبك.
تابعها بانتظام: مواقعها، وحساباتها المهنية، وأخبارها. فهذا يعطيك سياقًا ويكشف مؤشرات التوسع التي تسبق التوظيف.
حدد من تعرف داخلها ولو بدرجة بعيدة، فالوصول عبر معرفة أقوى بكثير من التواصل البارد.
تواصل مع من يعملون في نفس دورك فيها، بسؤال مهني عن طبيعة العمل لا بطلب توظيف.
تابع مؤشرات الحاجة: توسع معلن، أو مشروع جديد، أو نمو في الفريق. فهذه تسبق الإعلانات غالبًا.
أرسل تعريفًا بنفسك إلى الجهة حتى دون إعلان قائم، بشرط أن يكون مخصصًا ويوضح ما تقدّمه لها تحديدًا. وهذا ينجح أكثر مع الجهات الصغيرة والمتوسطة.
سجّل في قاعدة المتقدمين لديها إن كانت تتيح ذلك، فبعض الجهات تعود إلى هذه القاعدة عند فتح أدوار.
كيف تجعل الفرص تصل إليك؟
الوصول الاستباقي أسلوب، وجعل نفسك مرئيًا أسلوب آخر يعمل بالتوازي.
اضبط ملفك المهني بالكلمات المفتاحية الصحيحة كما شرحنا، فهذا ما يجعلك تظهر في بحث مسؤولي التوظيف.
انشط في مجالك بمحتوى أو تفاعل، فالنشاط يجعل اسمك مألوفًا لمن حولك.
أخبر شبكتك بما تبحث عنه بشكل محدد لا عام. فمن يعرف أنك تبحث عن دور معين في مجال معين يستطيع أن يخبرك حين يسمع، ومن لا يعرف لا يستطيع.
كن واضحًا في تخصصك، فمن يُعرَف بشيء محدد يُذكر حين يُبحث عنه، ومن يُعرَف بعمومية لا يُذكر.
حافظ على علاقات جيدة مع من عملت معهم، فكثير من الترشيحات تأتي من زملاء سابقين.
كن متاحًا للمحادثات حتى حين لا تبحث، فبناء العلاقة قبل الحاجة هو ما يجعلها تعمل عند الحاجة.
ما الأساليب التي تضر بسمعتك المهنية؟
بعض الأساليب تضر بسمعتك أكثر مما تنفعك.
الرسائل الجماعية المرسلة إلى عشرات الأشخاص بنفس النص.
طلب وظيفة مباشرةً من شخص لا يعرفك، فهذا يضعه في موقف حرج ويقلل احتمال الرد.
الإلحاح في المتابعة بعد عدم الرد.
استغلال العلاقة الشخصية لتجاوز معايير التقييم، فهذا يضر بك وبمن رشّحك.
الطلب دون تقديم أي شيء في المقابل على مدى العلاقة.
التواصل فقط عند الحاجة، فهذا نمط واضح ويقلل الاستجابة.
المبالغة في وصف النفس في التواصل الأول.
إهمال الشكر والمتابعة مع من ساعدك، فهذا ينهي علاقة كان يمكن أن تستمر.
الاعتماد على هذه القناة وحدها وإهمال التقديم على الإعلانات، فالأسلوبان يعملان معًا لا بدلًا عن بعضهما.
كيف توازن بين هذه القناة والتقديم التقليدي؟
الخطأ أن يُعتبر أحدهما بديلًا عن الآخر، فالأنجح الجمع بينهما.
والتوزيع العملي:
استمر في التقديم على الإعلانات بشكل منتظم ومخصص، فهي القناة الأوسع وأكثرها وضوحًا.
خصص وقتًا أسبوعيًا للشبكة: رسالة أو رسالتان، أو محادثة، أو تفاعل مهني. فساعة أسبوعيًا تبني على مدى شهور ما لا يبنيه اندفاع أسبوع.
اجمع بين القناتين في نفس الفرصة حين يكون ذلك ممكنًا: قدّم رسميًا عبر القناة المعلنة، وأشِر إلى تقديمك في رسالة قصيرة لمن تعرفه في الجهة. والشرط أن يكون ذلك واضحًا لا مخفيًا، فالمهنية في الوضوح.
استخدم شبكتك للمعلومات لا للترشيح فقط: عن الجهة، وعن الدور، وعن ما تبحث عنه فعلًا. فهذه معلومات تحسّن تقديمك حتى دون ترشيح.
قِس النتائج بعد شهرين: من أي قناة جاءت الردود والمقابلات؟ ثم وجّه جهدك بناءً على ذلك.
أسئلة شائعة
هل الوصول عبر المعارف يعني تجاوز الكفاءة؟
لا، فهناك فرق بين الترشيح المهني والواسطة. فالترشيح يعني أن شخصًا يعرف كفاءتك يشير إلى اسمك، وأنت بعده تمر بكل مراحل التقييم كأي متقدم: تُقرأ سيرتك وتُقابَل وتُختبر. والفارق الوحيد أن ملفك يُقرأ فعلًا بدل أن يضيع بين مئات الطلبات. أما الواسطة فتعني تجاوز المعايير، وهي تضر بمن يُوظَّف بها لأنه يوضع في دور قد لا يناسبه، وتضر بمن رشّحه.
كيف أتواصل مع شخص لا أعرفه دون أن أبدو متطفلًا؟
بثلاثة شروط: أن تكون الرسالة مخصصة له لا جماعية، وأن تذكر سببًا واضحًا للتواصل، وأن تطلب شيئًا صغيرًا ومحددًا لا وظيفة. فرسالة من ثلاثة أسطر تشير إلى شيء قرأته له وتطرح سؤالًا واحدًا مهنيًا تُقرأ ويُستجاب لها غالبًا. أما الرسالة التي تطلب وظيفة من مجهول فتضع المستقبل في موقف حرج ويسهل تجاهلها.
ماذا أفعل إن لم تكن لدي شبكة مهنية أصلًا؟
ابدأ من الدائرة الأقرب: زملاء الدراسة، وزملاء التدريب، ومن عملت معهم ولو لفترة قصيرة. ثم وسّع تدريجيًا عبر التفاعل في مجتمعات مجالك المهنية وحضور الفعاليات إن توفرت والنشاط على المنصات المهنية. والشبكة تُبنى بالتراكم لا دفعة واحدة، ومحادثة واحدة نوعية أسبوعيًا تبني على مدى ستة أشهر شبكة معتبرة. والمهم أن تبدأ قبل أن تحتاج.
هل أخبر شبكتي أنني أبحث عن عمل؟
نعم إن كنت متفرغًا للبحث، وبشكل محدد لا عام. فقولك إنك تبحث عن عمل لا يمكّن أحدًا من مساعدتك، بينما تحديد المسمى والمجال ونوع الجهة يجعل المساعدة ممكنة. أما إن كنت على رأس عمل، فأخبر من تثق بهم فقط وبتحفظ، وركّز على التواصل المباشر بدل الإعلان العام. وسنفصّل هذه الحالة في مقال مستقل.
كم تستغرق هذه الطريقة لتعطي نتيجة؟
أبطأ من التقديم التقليدي في البداية وأسرع على المدى الطويل. فبناء الشبكة يحتاج شهورًا قبل أن يعطي فرصًا، ولهذا فإن الاعتماد عليها وحدها عند الحاجة الملحّة غير عملي. والاستراتيجية الصحيحة أن تبنيها باستمرار حتى وأنت مستقر في عملك، فتكون جاهزة حين تحتاجها. ومن يبدأ البناء وقت البحث يبدأ من الصفر في أسوأ توقيت.
هل أرسل سيرتي إلى جهة لا تعلن عن وظائف؟
يمكن ذلك وينجح أحيانًا، خصوصًا مع الجهات الصغيرة والمتوسطة التي قد لا تعلن عن كل احتياجاتها. والشرط أن تكون الرسالة مخصصة تمامًا: توضح من أنت وما تقدّمه لهذه الجهة تحديدًا ولماذا هي. أما الرسائل العامة المرسلة بالجملة فتُتجاهل. ولا تتوقع استجابة عالية من هذه القناة، لكنها تضيف فرصًا لا تأتي من غيرها، ورسالة واحدة ناجحة من عشرين تستحق الجهد.
0 تعليقات